أبو الحسن العامري

288

رسائل أبو الحسن العامري

المستقيم ، نازلا من صاحبه منزلة الكمال . فوجد ، من بدوّ البشر ، نطفة ، ثم منها علقة ، ثم منها مضغة ، ثم منها جنين ، ثم منه طفل ، ثم منه رجل ؛ ثم يولد في الرجل النطفة ثانيا ، فصارت علقة ، ثم مضغة ، ثم جنينا ، ثم طفلا ، ثم رجلا ؛ فدام النهج على هذا الشرح ، مناسبا للأزمنة المتناسخة إلى الآن ؛ إلى أن ظهر صفوة الخليقة ، وخاتم النبوة ، محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله الأخيار . فسبحان من صنع فأحكم ، وأنشأ فقدّر ، وأعطى فقوّى ، وأبدع فهدى ؛ ثم أكد الأمر لعباده بالتدبر في أصناف ملكوته ، ليمتاز به المجتهد من المقصّر ، والمعتبر من المضيّع ، ولئلا يظنّ المؤيّد بعقله أنه مخلوق عبثا أو متروك مهملا . ونعوذ به من الحور « 112 » بعد الكور « 113 » ، ونعتصم به من الزيغ والزلل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . ثم رجع بنا الكلام إلى حلّ الشبهة المحكيّة عن الطائفة المضلّة ، فنقول : إن الطبيعة ، وإن كانت في الحقيقة قوة إلهيّة سارية إلى العالم السفلي من الفلك المائل ، فإنها في ذاتها لن تكون غير متناهية ؛ / وكيف يتوهم أنها غير متناهية ، وقد علم أن صدورها لن يكون الا من الجسم المحدود . ومن الممتنع أن يكون الجسم المحدود ذا قوة غير متناهية . وإن كانت متناهية فهي إذا ، لا محالة ، تكون معرضة لطروء « 114 » الآفات عليها بالمضاد الغالب لها في مجاريها . ولهذا ما يوجد بقاء أنواعها مضبوطا بوفور عددها . وأعني بهذا أن طباع النطف ، لمّا كان أضعف من طباع المضغ ، كان عدد النطف أوفر من عدد المضغ . وطباع المضغ ، لمّا كان أضعف من طباع الأجنّة ، كان عدد المضغ أوفر من عدد الأجنّة . وبمثله الحال في قياس الأجنة إلى الأطفال ؛ وقياس الأطفال إلى البالغين من الرجال . وليس يشك أن الحكمة في وفور العدد منها هي أن تصير مقادير الأنواع محفوظة عن الانقطاع . وهكذا الحال أيضا في المعمولات الصناعية ، أعني أنها معرضة لقبول الآفات في مجاريها . وكما أن التشويهات الطارئة على المعمولات بالصنعة لن تكون دالة على أن مجراها خلو عن الحكمة الحقيقية ، كذا الحال في الكائنات بالطبيعة . وأما سبب انطلاق القهر والغلبة على هاتين القوتين ، أعني التفاوت الموجود في جبلّة الأشخاص ، بحسب حسنها وقبحها أو بحسب اعتدالها وتشوهها ، فهو ما

--> ( 112 ) الحور : النقصان والرجوع . الكور : الزيادة . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكور . أي يتعوذ بالله من الرجوع بعد الاستقامة والنقصان بعد الزيادة . لسان العرب ، مادة « كور » . ( 113 ) الحور : النقصان والرجوع . الكور : الزيادة . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكور . أي يتعوذ بالله من الرجوع بعد الاستقامة والنقصان بعد الزيادة . لسان العرب ، مادة « كور » . ( 114 ) ص : لطريان .